عبد القادر الجيلاني

22

فتوح الغيب

وذكر الشّيخ عزّ الدّين ابن عبد السّلام : « أنّه لم تتوفّر كرامات أحد من المشايخ إلّا الشّيخ عبد القادر ، فإنّ كراماته نقلت بالتّواتر » « 1 » . وكذلك قال شيخ الإسلام ابن تيميّة « 2 » . ولكن من أجلّ كراماته إحياء موات النّفوس والقلوب ، وزرع الإيمان وخشية اللّه وحبّه فيها ، وإشعال مجاهر القلوب الّتي انطفأت من جديد ، فقد أعاد اللّه به إلى قلوب لا يحصيها إلّا اللّه حياة وإيمانا ، وهبّت بمواعظه وتربيته رياح من الإيمان عاشت بها قلوب ميّتة ، ونشطت بها نفوس خامدة ، وانطلقت في العالم الإسلاميّ موجة من الإيمان الجديد ، والرّوحانيّة القويّة ، والأخلاق الفاضلة ، والتّقوى . وقد هيّأ اللّه له الزّعامة الدّينيّة والرّوحيّة في العالم الإسلاميّ ، فاختار له بغداد - عاصمة المملكة العبّاسيّة وقلب العالم الإسلاميّ - وجاءته بغداد - وهي من أكبر مدن العالم - تسعى ، وازدحم النّاس عليه ازدحاما كبيرا ، قال : « كان يجلس عندي رجلان وثلاثة يسمعون كلامي ، ثمّ تسامع بي النّاس وازدحم عليّ الخلق ، فكنت أجلس في المصلّى بباب الحلبة ، ثمّ ضاق عليّ النّاس فأخرجوا الكرسيّ إلى داخل السّرر بين التّنانير ، وكان النّاس يجيؤون في اللّيل على الشّمع والمشاعل ، يأخذون لهم مواضع ، ثمّ ضاق على النّاس الموضع ، فحمل الكرسيّ إلى خارج البلد ، وجعل في المصلّى ، وكانوا يجيؤون على الخيل والبغال والحمير والجمال ، ويقفون ما دار المجلس كالسّرر ، وكان يحضر المجلس نحو من سبعين ألفا » « 3 » . وكان لمجالسه تأثير عظيم ونفع كثير ، قال الشّيخ عمر الكيسانيّ : « لم تكن مجالس سيّدنا الشّيخ عبد القادر رضي اللّه عنه تخلو ممّن يسلم من اليهود والنّصارى ، ولا ممّن يتوب من قطّاع الطّريق ، وقاتلي الأنفس ، وغير ذلك من الفسّاق ، ولا ممّن يرجع عن معتقد شيء » « 4 » .

--> ( 1 ) ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب . ( 2 ) جلاء العينين للألوسي . ( 3 ) قلائد الجواهر ( ص 15 - 16 ) . ( 4 ) قلائد الجواهر ( ص 22 ) .